صدر حديثاً كتاب "النفط وتأثيره في العلاقات الدولية" للمؤلف الدكتور محمد ختاوي ........... صدر حديثاً كتاب "العالم العربي والتحديات المعاصرة " للمؤلف الدكتور محمد رفيق الطيب ........... صدر لدينا كتاب بعنوان "معجم النفائس الأساسي" إعداد: عبدالله روبين حسين- إشراف: أحمد راتب عرموش ........... صدر حديثاً كتاب بعنوان "فيزياء وكيمياء الشخصية" للمؤلف الدكتور جمال البدري ........... صدر حديثاً كتاب بعنوان "تربية الأبناء إسلامياً وعلمياً" للمؤلف محمد أحمد زناتي ........... صدر حديثاً كتاب بعنوان "علم النفس العسكري" للمؤلف الدكتور فيصل محمد خير الزراد ........... صدر حديثا كتاب بعنوان "اقتصاد العولمة مقاربات اقتصادية للرأسمالية وما بعدها" للكاتب د.سالم توفيق النجفي ........... صدر حديثاً رواية بعنوان أسد البحار بربروسا للمؤلف محمد حميد محمد ........... صدر حديثاً كتاب تاريخ السلاجقة في خراسان وإيران والعراق للمؤلف الدكتور محمد سهيل طقوش ........... صدر حديثاً كتاب: تاريخ الدولة الصفوية (في ايران) للدكتور محمد سهيل طقوش ........... صدر حديثاً كتاب كتاب ترجمان الأديان للدكتور أسعد السحمراني ........... صدرت طبعة جديدة من كتاب: موسوعة فقه عمر بن الخطاب للمؤلف الدكتور محمد رواس قلعة جي ........... صدرت طبعة جديدة من كتاب: الامراض النفسية جسدية للمؤلف الدكتور محمد فيصل الزراد ........... صدر حديثاً رواية بعنوان "لعنة البيركوت" للمؤلفة رانية محيو الخليلي ........... صدرت طبعة مزيدة ومنقحة من كتاب الادخار والاستثمار والمضاربة في البورصة مع فصل عن الازمة المالية المعاصرة للاستاذ جعفر الجزار ........... صدر حديثاً رواية بعنوان صبرا للمؤلف سعيد شهاب ........... صدر حديثاً الغيرة والضرة أثر الغيرة في سلوك الصغار والكبار وعلاجها للدكتورة حنان قرقوتي ........... صدر حديثاً "المنقذ من الضلال والموصل الى ذي العزة والجلال للامام الغزالي قدمه د.أسعد السحمراني ........... صدرت الطبعة الثانية من كتاب ري الغليل من محاسن التأويل مختصر تفسير القاسمي للقاسمي، اختصار الشيخ صلاح الدين أرقه دان ........... صدر حديثاً: معجم النفائس المدرسي، اختصار وتهذيب روبين حسين ........... اخترنا لكم هذا الاسبوع صفحات من كتاب "أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق" للمؤلف الدكتور أحمد كنعان، انقر صفحات من منشوراتنا ........... اخترنا لكم هذا الاسبوع تقديم كتاب فرنسا والمأساة الفلسطينية للمؤلف فيليب بريفوست، انقر صفحات من منشوراتنا ........... اخترنا لكم هذا الاسبوع مقدمة كتاب الدين في القرار الأميركي للمؤلف الاستاذ محمد السماك، انقر صفحات من منشوراتنا ...........
اسم الكتاب

اسم الكاتب
العالم العربي والتحديات المعاصرة (نقد الذات وسبل الإصلاح)
10.00 $
1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7
تفسير النسفي 1-4 (مدارك التنزيل وحقائق التأويل)
35.00 $
30.00 $
1 - 2
mohanad orfali
صفحات من منشوراتنا
    المجموع الكلي 3
 
 
فرنسا والمأساة الفلسطينية دراسة تاريخية 1914-1922

اخترنا لكم هذا الاسبوع تقديم بقلم الاستاذ أحمد راتب عرموش

 يظن كثير من العرب ، وبخاصة الشباب منهم، أن بريطانيا وحدها هي التي أنشأت ما يسمى (دولة إسرائيل) بإعطائها وعد بلفور، ومساعدتها اليهود إبّان استعمارها فلسطين على الهجرة إليها والإقامة فيها. وتسليح العصابات الصهيونية وتسليمها الأراضي العربية التي كانت تخليها إلى تلك العصابات. ويظن كثيرون أيضاً أن الولايات المتحدة هي وحدها أيضاً التي تدعم الكيان الصهيوني حالياً، وتسلَّحه وتحميه حتى من قرارات الأمم المتحدة، باستعمالها حق النقض في مجلس الأمن ضد كل قرار لا يرضيه، بينما واقع الحال يشير إلى أن الغرب كله كان، في خلال تاريخه الحديث، يدعم ، بدرجات متفاوتة، إنشاء دولة يهودية في فلسطين. وكانت الدول الاستعمارية تستغل النشاط اليهودي لتحقيق مصالحها والصهيونية تستغلُّ الدول الاستعمارية لتحقيق دولتها. فهما كالممثل الذي يُضحك الجمهور وواقع الحال أن كل طرف يضحك على الآخر، فغدا الناس لا يعرفون من يستغل من ولا مَنْ يخدم مَنْ. وهذا يتطلب منا إلقاء نظرة تاريخية على العداء بين الشرق والغرب، فكل من لديه إلمام بسيط بالتاريخ يعرف أن المقدونيين القادمين من الغرب اجتاحوا، بقيادة الاسكندر المقدوني امبراطورية فارس (الشرقية) سنة 334 قبل الميلاد واحتلوا بلاد الشام ومصر وغيرهما. ثم احتلَّ الروم، القادمون من الغرب أيضاً، بلاد الشام واستمروا في حكمها وظلم أهلها، وفرض معتقداتهم عليها حتى أجلاهم المسلمون عنها في القرن السادس الميلادي. فلما جاء الاسلام وحَّد العرب، وخلَّص بلاد الشام، من جملة ما خلَّص، من احتلال الروم، سنة (635م). واستمرت الحروب بين الشرق والغرب سجالاً، كان النصر في معظمها للعرب المسلمين حتى ضعفت الخلافة وتفرَّق المسلمون في دويلات شتى، فعاد الغرب فيما عرف بالحروب الصليبية، أو حروب الفرنجة فاحتلَّ بلاد الشام، وكان في حملاته يرفع شعار الصليب، ويستغل الحماسة الدينية، ويُبطن العدوان والاستغلال والمنفعة، ما جعل معظم مسيحيي المنطقة يقاومونه كمسلميها. ووحَّد التحدي بلاد المسلمين الممزقة من جديد، وظهر قادة منهم: نور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، والمظفر قطز، والظاهر بيبرس، فطردوا الصليبيين بعد إحتلال دام مئتي سنة (من سنة 1095 إلى سنة 1291). ولما قامت الخلافة العثمانية، ووحدت معظم بلاد المسلمين تحت رايتها، شعر الغرب بقوة المسلمين وتهديدهم فتهيَّب الاعتداء على بلادهم، وبخاصة أنه كان مشغولاً بنزاعاته. ولكن لما نشبت الحرب العالمية الأولى، وهُزمت فيها الدولة العثمانية عاد الغرب تحت ستار الانتداب، وتقاسمت بريطانيا وفرنسا بلاد الشام، فأخذت بريطانيا جنوبها، واستولت فرنسا على شمالها. وكان أول ما قام به :"غورو" القائد الفرنسي الذي احتل سورية، أن ذهب إلى قبر صلاح الدين الأيوبيَّ في دمشق ووضع قدمه على ذلك القبر الطاهر وخاطب ساكنه بقوله: "ها قد عدنا يا صلاح الدين". وكانت هاتان الدولتان – بريطانيا وفرنسا- من أكثر الدول سعياً لاستغلال اليهود. فقط بدأت قصة استغلال اليهود مع نابليون (1769-1821). ففي أثناء حصاره عكا، بعد احتلال مصر سنة 1801، أصدر بياناً موجهاً إلى يهود العالم يقول فيه : " إن العناية الإلهية التي أرسلتني على رأس هذا الجيش إلى هنا، قد جعلت رائدي العدل وكفلتني، وجعلت من القدس مقرَّي العام، وهي التي ستجعله بعد قليل في دمشق، التي يضيرها جوارها لبلدة داود. يا ورثة فلسطين الشرعيين: إن الامة العظيمة التي تتجر بالرجال، كما فعل أولئك الذين باعوا أجدادكم للشعوب، تناديكم الآن لا للعمل على إعادة احتلال وطنكم فحسب، وليس بغية استرجاع ما فقد منكم، بل لأجل ضمان ومؤآزرة هذه الأمة لتحفظوها مصونة من جميع الطامعين بكم لكي تصبحوا أسياد بلادكم الحقيقيين..." ولكن نابليون اندحر، ولم يستطع فتح عكا، ثم تبخَّرت أحلامه وقضي عليه. لم يستطع نابليون أن يستغل اليهود، ولم يستطيعوا هم تحقيق مآربهم عن طريقه... ثم دار التاريخ وأصبحت بريطانيا سيدة العالم، وأصبحت ممتلكاتها لا تغيب عنها الشمس، فنقل اليهود مركز ثقلهم إليها. وشُقَّت قناة السويس بين العامين 1859-1869، في عهد الخديوي إسماعيل من أسرة محمد علي باشا، الذي أقرَّه الغرب على حكم مصر ليكون ندّاً للخليفة العثماني، وأصبح من الضروري لبريطانيا التي كانت تحتل الهند وشرقي آسيا أن تؤمَّن خط تجارتها عن طريق البحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس، فكتب الوزير البريطاني المستر (إيموى) في مذكراته : نحن نرى، من وجهة النظر البريطانية الخالصة، إن إقامة شعب يهودي ناجح في فلسطين يدين بوجوده وفرصته في التطور إلى السياسة البريطانية، هو كسب ثمين لضمان الدفاع عن قناة السويس من الشمال ولأداء دور محطة الطرق الجوية المقبلة مع الشرق" ولكن الدهاء البريطاني يدرك أن الدنيا لا تستمر على حال، ويمكن أن يصيب (بريطانيا العظمى) ما أصاب غيرها من الامبراطوريات السابقة، ولم يخف على رئيس وزرائها "السير كامبل بنرمان" (من 1905 إلى 1908م)، أنه على الرغم من قوة بريطانيا وكثرة مصالحها، فإن للدول الاستعمارية الأخرى مصالح تتضارب أحياناً مع مصلحة بريطانيا، ولكنها تلتقي معها في ضرورة استمرار تأخر الشرق وتجزئته ومتابعة استغلاله، وبخاصة لوجود ثروات هائلة فيه، ولاعتناق أهله ديناً موحَّداً صنع حضارة في السابق سادت العالم، وما حدث مرة يمكن أن يحدث مرات. لذلك دعا، سنة 1907، ممثلي الدول الاستعمارية: بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندة والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا، إلى اجتماع لبحث ما يؤمَّن لهم (إكسير الحياة)، فلا تزول سلطاتهم كما زالت سلطات من سبقهم من الأمم، وكان من جملة ما اتفقوا عليه تشكيل لجنة من الخبراء البارزين في التاريخ والجغرافيا والاجتماع والاقتصاد، لوضع خطة علمية محكمة تؤمَّن لهم مصالحهم. فشُكَّلت اللجنة من خبرة علماء ذلك العصر في العلوم المذكورة آنفاً، ومن مختلف البلدان، وبدأت أعمالها في لندن سنة 1905 وقد خاطب (بنرمان) أعضاء اللجنة، في افتتاح أعمالها فقال: إن الأمبراطوريات تتكوَّن وتتَّسع وتقوى ثم تستقر إلى حد ما، ثم تنحل رويداً رويداً ثم تزول، والتاريخ مليء بمثل هذه التطورات وهو لا يتغير بالنسبة لكل نهضة ولكل أمة. فهناك أمبراطوريات روما وأثينا والهند والصين، وقبلها بابل وآشور والفراعنة وغيرها، فهل لديكم أسباب أو وسائل يمكن أن تحول دون السقوط والإنهيار، أو تؤخر مصير الإستعمار الأوروبي، وقد بلغ الآن الذروة، وأصبحت أوروبا قارة قديمة استُنفذت مواردها وشاخت معالمها، بينما العالم الآخر لا يزال في شبابه يتطلع إلى مزيد من العلم والتنظيم والرفاهية. هذه هي مهمتكم أيها السادة، وعلى نجاحها يتوقف رخاؤنا وسيطرتنا..!". قام المؤتمر بدراسة تاريخ الامبراطوريات وتطوراتها، وكيف نشأت وازدهرت ثم تلاشت وانحلت، كما قام ببحث الأسباب التي أدَّت إلى انهيار هذه الامبراطوريات بعد بلوغها قمَّة الحضارة، ثم درس الامبراطوريات الراهنة. وبعد مضي أكثر من سنة أمضاها في الدراسة، قدم المؤتمر نتائج ما توصل إليه على شكل تقرير سري خاص إلى وزارة الخارجية البريطانية، ولما رأت خطورته أحالته على وزارة المستعمرات البريطانية، ثم اختفى التقرير من غير أن يعرف أحد به. وقد بقي التقرير منسيّاً حتى قبيل الحرب العالمية الأولى، حينما نشره صحافي بريطاني صهيوني في معرض الدفاع عن الوطن القومي اليهودي في فلسطين، واستشهاداً بآراء وقرارات الحكومة البريطانية وسادة الاستعمار العالمي على ذلك، وتبريراً لقيام (إسرائيل!) كضرورة اقتصادية وسياسية واجتماعية لأوروبا ولمصالحها وسيطرتها في الشرق، والتقرير طويل ومتشعَّب، ولم يتسرب إلا جزء منه، وأهم ما جاء فيه ممّا يخصُّ موضوعنا: "إن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للإستعمار ولمصالح كل الدول المتحدة، الآنية والمقبلة. فهو الجسر بين الشرق والغرب، وهو الممر الطبيعي إلى آسيا وإلى أفريقيا، وهو ملتقى طرق العالم، فلا بد لنجاح أية خطة تستهدف حماية المصالح الأوروبية المشتركة، من السيطرة على هذا البحر وعلى شواطئه الجنوبية والشرقية، لأن من يسيطر على هذه المنطقة يستطيع التحكُّم في العالم". وبعد استعراض أسباب زوال الامبراطوريات السابقة، شرح الباحثون مصدر الخطر الذي يهد امبراطوريتهم ويزيلها كما زالت الامبراطوريات السابقة، فتوصلوا إلى أن الخطر يكمن في البحر المتوسط وفي شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص، "فعلى الجسر البري الضيق الذي يصل آسيا بأفريقيا، وتمرُّ فيه قناة السويس شريان حياة أوروبا، وعلى جانبي البحر الأحمر وعلى طول ساحلي البحر الهندي وبحر العرب حتى خليج البصرة حيث الطريق إلى الهند وإلى الامبراطوريات الاستعمارية في الشرق. في هذه البقعة الشاسعة الحساسة يعيش شعب واحد، تتوافر له من وحدته التاريخية والدينية ووحدة لسانه وآماله، كل مقوَّمات التجمُّع والترابط والاتحاد، وتتوافر له في نزعاته التحررية وفي ثرواته الطبيعية ومن كثرة تناسله كل أسباب القوة والتحرر والنهوض. ويبلغ تعداده الآن 35 مليون نسمة، ويمكن أن يرتفع في مدى قرن واحد إلى مائة مليون نسمة، بالنسبة إلى شرائعه الإسلامية التي تتيح تعدد الزوجات وتؤدي إلى زيادة النسل والتكاثر. فكيف يمكن أن يكون وضع هذه المنطقة إذا توحَّدت- فعلاً- آمال شعبها وأهدافه، وإذا اتجهت هذه القوة في اتجاه واحد؟". "عند ذاك ستحل الضربة القاضية حتماً بالامبراطوريات الاستعمارية، وعندها ستتبخَّر أحلام الاستعمار بالخلود، فتتقطع أوصاله ثم يضمحل وينهار كما انهارت امبراطوريات الرومان والإغريق". وبناءً على ما تقدم فقد اقترح التقرير: 1- على الدول ذات المصالح المشتركة أن تعمل على استمرار تجزئة هذه المنطقة ... وتأخُّرها، وإبقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك وتأخُّر وجهل. 2- ضرورة العمل على فصل الجزء الأفريقي في هذه المنطقة عن الجزء الآسيوي، وتقترح اللجنة لذلك إقامة حاجز بشري، قوي وغريب، يحتلُّ الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم ويربطهما معاً بالبحر الأبيض المتوسط، بحيث يشكل في هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس، قوة صديقة للاستعمار، وعدوة لسكان المنطقة". يتضح مما تقدم أن مستقبل فلسطين ومصيرها تقررا في هذا التقرير. ونستنتج مما تقدم حقائق معروفة نوردها للتذكير: 1- إن المصالح هي التي تحكم علاقات الدول والشعوب بعضها ببعض. 2- الدول الضعيفة والشعوب المستكينة هي التي تُطمع الآخرين بها، فيعتدون عليها ويستغلونها، ولا حق في المجتمع البشري بلا قوة تحميه. 3- الإسلام دين وحَّد شعوب المنطقة فأعلى شأنها وتعايش مع الأديان الأخرى فيها. 4- العداء ليس للإسلام معتقداً أو دين عبادات، بل نظاماً موحَّداً مانعاً للاستغلال وحافظاً للغة، ومكثراً للنسل. 5- إن الدول والممالك والامبراطوريات، كغيرها ن المخلوقات، تولد وتنمو وتترهل ثم تموت، ولكن المعتقدات السامية لا تموت. 6- كثيرون هم الأشخاص والأحزاب والحكومات الذين يستغلُّون الأديان ويجيشون العواطف الدينية لتحقيق غايات بعيدة عن الدين. 7- إن بلاد الشام وحدة جغرافية وتاريخية، عمل الأعداء دوماً على تجزئتها وتمزيقها لأهمية موقعها واستغنائها بخيراتها عما سواها، ويظهر ذلك جلياً في الفصل الثامن من هذا الكتاب. 8- إن اليهود لا يجمعهم إلا العقيدة الدينية، وهو قليلو العدد في العالم، ومطامحهم أكبر منهم بكثير، ولكي يحققوها يلجؤون إلى القوة العظمى في العالم يضعون أنفسهم في خدمتها لتكون في خدمتهم، وعن طريقها يحققون آمالهم ومطامعهم. ولهذا نرى بريطانيا حرصت، عند تقسيم بلاد الشام فيما عرف بمعاهدة (سايكس- بيكو) المشؤومة، على أن تكون فلسطين من حصتها، وعملت على تنفيذ ما جاء في تقرير (بنرمان)، ومن بعده وعد (بلفور) في 2/11/1917، ثم توصيات (لورنس) ، في تقاريره السرية التي نُشر بعضها بعد مضي خمسين سنة عليها. وولدت (دولة إسرائيل الهجينة) بعملية قيصرية في جزء من فلسطين، ويتبيَّن، من طريقة التصويت في هيئة الأمم على إنشاء الكيان الصهيوني، أن الديمقراطيات الغربية تنحرف بالديمقراطية كما تشاء، وهامش الحرية الذي تعطيه أنظمتها لشعوبها لا تعطيه، ولا تريده، لغيرها من الشعوب. والقارئ يتذكر ما حصل في الجزائر عندما نجح الإسلاميون (جبهة الإنقاذ) في انتخابات حرَّة سنة 1992، ويدرك أثر تدخلات فرنسا وغيرها من الدول الغربية التي أدت إلى انقلاب عسكري، تبعته أعمال عنف، ليس هنا مجال الحديث عنها. وهو يرى ما يحدث في غزة بعد أن نجحت حركة حماس في انتخابات حرة شهد بنزاهتها العالم كله، ولكن الحرية والديمقراطية التي يتغنّى بها الغرب تبقى معشوقته طالما يستطيع تجار الحروب والرأسماليون كسب الأصوات وإيصال عملائهم وأعوانهم إلى السلطة بالتضليل الإعلامي وشراء الضمائر. وعلى كل حال، فإن هامش الحرية المذكور الذي يحكمه مبدأ "أنتم تقولون ما تريدون ونحن نفعل ما نريد"، سمح لمؤلف هذا الكتاب أن يبيَّن دور بلاده (فرنسا) في الظلم الذي وقع على الشعب الفلسطيني، ربما تكفيراً عن دور فرنسا في تحطيم بلاد الشام وتجزئتها، وتواطئها أو تخاذلها، ما أدى إلى المأساة غير الخافية على أحد، والتي آخر تجلياتها تدمير غزة وقتل الأبرياء من نساء وشيوخ وأطفال، والتأييد العلني لما تفعله عصابات الصهاينة بشعب اغتصبوا أرضه وسلبوه حريته. هذا الكتاب هو صيحة غربي مسيحي مؤمن بالحرية والديمقراطية، يؤلمه أن يرى العدوان ويسكت عنه، فعسى ألا تذهب صيحته في واد، وأن يتردد صداها لدى أحرار العالم فيهبوا لمؤآزرة شعب مقاوم يسعى إلى تحرير أرضه واستعادة حقه السليب. والكتاب أيضاً هو جزء من تاريخ بلاد الشام، يبين أن فرنسا داست كل القَيم، ولم تكن يوماً إلاّ مع نفسها، على الرغم من وجود قلَّة يحركها شعور إنساني، وإيمان بالعدل والمساواة. ولا أريد أن أفسد متعة القارئ فألخص ما ورد فيه، ولكنني ألفت إلى موضوع مهم ورد فيه هو إشارته إلى أن نظرة الفرنسيين إلى بلاد الشام كانت أنه إقليم واحد، فما الذي غيَّر هذه النظرة يا ترى؟. وأتمنى على سكان هذه البلاد- بلاد الشام -، أو هذا الإقليم، العودة إلى تاريخ هذه المنطقة، والتفكير بحاضرها ومستقبلها، وما يمكن أن يؤدي إليه استمرار تجزئتها من ضعف وهوان، ويدرك الفائدة التي يمكن أن يجنيها جميع سكانها من وحدتها ضمن البلاد العربية، بل والبلاد الإسلامية. وأدعو الشباب منهم، وبخاصة المتعصبين للتجزئة، أن يستمعوا إلى من لا يزال حياً، من الذين عايشوا وحدة بلاد الشام، فليست تلك الحقبة بعيدة، ولا يزال المعمَّرون في هذه الأيام يحملون الذكريات الجميلة لتلك الأيام، على بؤسها وشدَّتها، وهم يلخصون جمالها بوحدة البلاد وتنقُّلهم في مدنها وقراها من دون أية عوائق. آمل ألا أكون قد أطلت في تقديمي هذا الكتاب، وأدعو القارئ إلى معذرتي، والانتقال إلى قراءته.

 
المؤلف : فيليب بريفوست ترجمة سمارة شاتيلا
 
 
الدين في القرار الاميركي

اخترنا لكم هذا الاسبوع مقدمة الكتاب

 على الرغم من أن دستور الولايات المتحدة الاميركية ينص على فصل الدين عن الدولة، فإن دور الدين لم يغب عن عملية اتخاذ القرارالسياسي الأميركي، خاصة عندما كان القرار يتعلق بالشرق الأوسط. إلا أن هذا الدور كان يتراجع إلى حد الانحسار، أو يتقدم إلى حد الانفجار، تبعاً لمدى ابتعاد أو اقتراب الرئيس الاميركي نفسه من حركة الأصولية الانجيلية الاميركية التي تطلق على نفسها اسم " الصهيونية المسيحية". سبق لي أن اشتغلت على ثلاثة كتب عن هذه الحركة، فألفت كتاب "الصهيونية المسيحية" وترجمت كتابين عن الانكليزية للكاتبة الكبيرة المرحومة غريس هالسل Grace halsell، التي عملت في البيت الأبيض كاتبة لخطابات الرئيس الأسبق ليندون جونسون. الأول: هو " النبوءة والسياسة" prophecy and Politics والثاني: هو "يد الله" Forcing God's hand Why Millions Pray for a Quick Rapture and Destruction of Planet Earth وقد صدرت عدة طبعات عن كل من هذه الكتب عن دار النفائس في بيروت وعن دار الشروق في القاهرة. هنا أود أن أسجل الملاحظة التالية، وهي أن الكثيرين من المفكرين السياسيين ومن المهتمين بالشأن السياسي العام لم يأخذوا أدبيات هذه الحركة الصهيونية المسيحانية مأخذاً جدياً، بعضهم سخر منها، وبعضهم الآخر قلل من أهميتها، وأكثرهم تجاوز عن خطرها، إلى أن تولى الرئيس الاميركي جورج بوش الابن سلطة الرئاسة في الولايات المتحدة. فقد استلهم مواقفه سواء بإعلان الحرب العالمية على الإرهاب، بعد ونتيجة للعمل الإرهابي المروع الذي استهدف مدينتي نيويورك وواشنطن في 11/9/2001، إو بإطلاق يد الجنرال شارون، رئيس الحكومة الإسرائيلية، لارتكاب المجازر الجماعية ضد الشعب الفلسطيني وانتفاضته في الضفة الغربية وغزة، أو بإعلان الحرب على العراق واحتلاله. استلهم هذه المواقف، من أدبيات هذه الحركة التي يؤمن بها كما يقول قساوستها المقربون منه، وكما يقول هو نفسه أيضاً. أما محور أدبيات هذه الحركة فهو الإيمان بنهاية كارثية كونية قريبة يكون الشرق الأوسط مسرحها. وثمة ملاحظة ثانية لا بد منها تتعلق بالصفة المسيحية لهذه الحركة إن المسيحية في قيمها ومثلها وتعاليمها تتناقض كل التناقض مع ما تدعو إليه هذه الحركة من تعاليم وما تبثه من قيم، ثم أنها حركة تتهجم على الكاثوليكية وتتطاول على البابا، وهي تتنكر ليس فقط للكنائس المسيحية المشرقية وخاصة الأرثوذكسية، ولكنها، كأي حركة أصولية دينية أخرى، تعتبر كل من هو خارجها محروماً من نعمة الخلاص. أما الملاحظة الثالثة فتتعلق بـ "إنجيليتها" صحيح أن هذه الحركة خرجت أساساً من التيار الديني الإنجيلي العام، إلا أنها خرجت عليه أيضاً، حتى إن الكنائس الإنجيلية الكبرى تقف من هذه الحركة، لاهوتياً وسياسياً، موقفاً سلبياً ورافضاً ، كالكنيسة المشيخية، والكنيسة الميثودية وسواهما، ويلتزم بهذا الموقف أيضاً المجلس الوطني لكنائس المسيح في الولايات المتحدة، الذي يضم مجموعة كبيرة من الكنائس الإنجيلية إلى جانب الكاثوليكية والأرثوذكسية. كان لا بد من هذه الملاحظات الثلاث التباين الكبير بين مواقف الحركة الصهيونية المسيحانية وبين الكنائس الأميركية المختلفة الاخرى، من قضايا الشرق الأوسط عامة، وتحديداً من الصراع العربي- الإسرائيلي. إن بيانات التعاطف مع الشعب الفلسطيني، وبيانات رفض وشجب الحرب على العراق، وبيانات التنديد بمبدأ العقاب الجماعي رداً على عملية 11/9/2001م، التي صدرت عن رؤساء الكنائس منفردين، وعن المجالس الكنسية الأميركية والعالمية مجتمعة، تتناقض مع الدورالذي مارسته هذه الحركة في التأثير المباشر على عملية صياغة القرارات الأميركية تعاطفاً مع اسرائيل وتغطية لجرائمها، ودفعاً للولايات المتحدة نحو الحرب على العراق، وبجعل الحرب على الإرهاب حرباً على الإسلام. لقد التزمت في هذا العمل على تجنب ترداد ما ورد في كتبي الثلاثة، وعندما اضطررت إلى الإشارة إليها اكتفيت بتسجيل ذلك في الحاشية. لم أتحدث عن الصهيونية- اليهودية إلا لماماً، فموضوعي هنا هوعن الصهيونية غير اليهودية. ولقد تناولت بدايات ومنطلقات وأدبيات هذه الحركة في كتابي " الصهيونية المسيحية" ولذلك لم أشأ العودة إليها مرة جديدة. فركزت في هذا الكتاب على مقومات الربط بين الدين والسياسة في عقيدة هذه الحركة ابتدأ من القرن الثامن عشر، كمدخل لفهم البعد الديني في القرار الأميركي المعاصر. وقدمت نماذج عن مدى تأثير هذه الحركة في صناعة القرار السياسي الأميركي في عهود رؤساء أميركيين سابقين، وخاصة رونالد ريغان وجيمي كارتر كمدخل إلى عهد الرئيس جورج بوش الابن. وفي اعتقادي أن إلقاء الضوء بموضوعية علمية جادة على خلفية القرارالأميركي في الشرق الأوسط، وعلى دور الحركة الصهيونية المسيحانية (الصهيونية المسيحية) في بلورته وحتى في صناعته، يمكن أن ينير الطريق أمام المسؤول العربي، وأمام الباحث العربي، لفهم المشاكل التي تواجه العلاقات العربية الأميركية والإسلامية- الأميركية، بعمق وبشمولية، ومن ثم لمقاربتها- وتالياً لمحاولة تحسينها وإصلاحها- من غير زاوية المصالح سلباً أو إيجاباً، وبكيفية مختلفة عما جرى حتى الآن. ملاحظة أخيرة لا بد منها، أجد من المفيد التأكيد عليها رغم أنني أشرت إليها في كتابي "الصهيونية المسيحية" وهي أن هذه الحركة على الرغم من النفوذ القوي الذي تتمتع به في الولايات المتحدة، فإن التيارالمسيحي الأميركي العام معارض لها، كما أن رؤساء أميركيين كثيرين أبعدوها وابتعدوا عنها، مثل الرؤساء دوايت أيزنهاور، وجورج بوش الأب وبيل كلنتون، وهذا يعني أن ثمة آفاقاً مفتوحة أمام العالمين العربي والإسلامي للعمل وللتحرك، ولرفض منطق الاستسلام للأمر الواقع. ثم إن الكنائس في العالم العربي، الكاثوليكية والأرثوذكسية والقبطية والإنجيلية، قادرة ومؤهلة لأن تلعب دوراً إيجابياً وبناء في العمل المشترك من أجل إقامة شبكة من العلاقات العربية- الأميركية، والإسلامية- المسيحية داخل الولايات المتحدة نفسها، وخارجها، من شأنه أن يكبح جماح حركة الصهيونية بوجهيها اليهودي والمسيحاني. إن العلاقات العربية- الأميركية علاقات مريضة، وقد اشتد هذا المرض بعد عملية نيويورك وواشنطن الإرهابية، وبعد الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة وبعد غزو أفغانستان، وبعد الحرب على العراق. ولأنه لا مصلحة للعالمين العربي والإسلامي باستعداء أميركا، إو بإفساح المجال أمام إسرائيل للاستفراد بصداقتها، ومن ثم لتأليبها ضد قضايانا ومصالحنا، فإن من المحكمة تشخيص المرض ومعالجته، وأملي هو أن يساهم هذا الكتاب في عملية التشخيص... بهدف المعالجة وليس الاستسلام للمرض.

 
المؤلف : محمد السماك
 
 
أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق

اخترنا لكم هذا الاسبوع صفحات من كتاب "أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق"

 

عقبات في طريق كشف السنن

وعلى الرغم من الله عز وجل قد سخر لنا السنن الكونية، وجعلها طوع أمرنا (وفق الشروط التي ألمحنا إليها آنفاً) إلا أن هناك عقبات كثيراً ما تحول بيننا وبين الوصول إلى كشف السنن أو فهمها.. وقد سبق أن بينا بعض هذه العقبات التي تتعلق بطبيعة السنن نفسها، أو بالرسائل اللازمة لكشف هذه السنن.. غير أن العقبات التي نريد مناقشتها هنا، تختلف عن تلك بأنها عقبات ذاتية تنبع من نظرتنا إلى الكون، وموقفنا ممما يجري فيه من أحداث.. ويأتي في مقدمة هذه العقبات.. ما يلي:

1-      النظرة الغائية

ونعني بها نظرتنا إلى ظواهر الحياة من جهة الغاية أو الحكمة، التي من أجلها تحدث هذه الظواهر، دون محاولة البحث عن الأسباب أو السنن المتعلقة بهذه الظواهر.. فنحن مثلاً نعتقد أن البراكين والزلازل تضرب القرى والمدن، وتهلك الناس عقوبة من الله عز وجل على ما ارتكبوا من آثام وجراثم، وكذلك نعتقد بالمرض وبسائر الكوارث الطبيعية.. ومع تسليمنا بأن لهذا الاعتقاد ما يبرره انطلاقاً من إيماننا بان الله حكمة في كل ما يجري في هذا الكون والتي قد ندركها وقد لا ندركها.. إلا أن اعتقادنا بالحكمة الإلهية على هذه الصورة يجب إلا يحول بيننا وبين النظر إلى المسألة من جانب آخر، وهو معرفة الأسباب التي تؤدي عادة لحدوث هذه الظواهر، لأن معرفة الأسباب تفيدنا في التحكم بالظواهر الكونية المختلفة، وتجعلنا أكثر قدرة على تسخيرها لصالحنا، ودرء أخطارها عنا بإذن الله.

أضف إلى ذلك أن النظر إلى الأحداث من جهة الحكمة في وقوعها فحسب، يضعنا في موقع السلبية المطلقة التي تكتفي بتأمل الأحداث من الخارج، بدل المشاركة فيها مشاركة ايجابية فعالة.. علماً بأن مثل هذه المواقف السلبية كثيرة في حياتنا العملية.

هكذا تحطم شالنجر

وأذكر أنني في كانون الثاني (يناير) من عام 1986م كنت في الولايات المتحدة الأميريكية، عندما دعاني صديق يتابع هناك دراسته الجامعية العليا لنشاهد على الطبيعة عملية إطلاق المكوك الفضائي "شالنجر" الذي كان من المقرر أن يحمل سبعة رواد للدوران حول الأرض، وفي موعد المحدد كنا في قاعدة الإطلاق مع جموع المشاهدين، نترقب لحظة انطلاق الصاروخ نحو القضاء.. وقد لفت انتباهي أن صديقي لم يكف طوال فترة ترقبنا لانطلاق الصاروخ عن إبداء دهشته وإعجابه بما وصلت إليه "تكنولوجيا" الغرب من تقدم وتطور مذهلين، وأعاد على مسامعي أكثر من مرة قوله: إننا – نحن المسلمين- لن نستطيع مسايرة التقدم العلمي المعاصر، ولن نستطيع مواكبة ركب الحضارة، ما لم نأخذ يمنهج هؤلاء، ونتابع خطواتهم في شتى مجالات الحياة!، لكن موقف صاحبي المليء بالإعجاب والدهشة، لم يلبث أن نبدل باتجاه معاكس تماماً عندما انفجر الصاروخ، بعد ثوان من إطلاقه.. فقد عد صاحبي انفجار الصاروخ بمثابة ضربة إلهية قاصمة موجهة لغطرسة أمريكا (على حد تعبيره) التي لا تفتأ تعتدي على الشعوب  المستضيفة، كما رأى الكارثة عقوبة عاجلة على ما وصل إليه المجتمع الأمريكي من استهتار وانحلال أخلاقي، وإباحية وفوضى في كل شيء..

لقد كان واضحاً من هذا التبدل المفاجئ في موقف صاحبي أنه لم يكن يصدر في تقويمه للحادث عن نظرة موضوعية بمقدار ما كان يصدر عن نظرة غائبة قاصرة تستهدف التبرير أكثر مما تستهدف معرفة الأسباب الموضوعية، التي أدت إلى الانفجار، والتي يمكن بمعرفتها منع تكرار الكارثة مرة أخرى!

ومن المؤكد لو أن العلماء والمسؤولين في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا نظروا للحدث كما نظر إليه صاحبي لاوقفوا تماماً برامجهم الفضائية، بانتظار ان تتراجع الولايات المتحدة عن غطرستها، وانتظار أن يصلح حال المجتمع الأمريكي، (ترى كم من السنوات أو القرون  سيستغرق ذلك؟).

لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، بل سرعان ما عكف العلماء والسمؤولون في وكالة الفضاء على دراسة وتحديد الظروف والأسباب التي أدت إلى وقوع الكارثة.. وما هي إلا شهور قليلة حتى قامت الوكالة من كبوتها، ودبت الحياة من جديد في قاعدة "كيب كينيدي"وانطلق المكوك التالي إلى الفضاء وفق البرنامج المقرر!. إن النظر إلى الأحداث على هذه الشاكلة لا يعني إغفال جانب  الحكمة فيها، بل يعني فهماً جديداً للحكمة، يقوم على معرفة الأسباب الكامنة وراء الاحداث، أو معرفة السنن التي تحكم الأحداث.. لأننا بهذه المعرفة نصبح أقدر على توجيه الأحداث، بما يتوافق وأمانة الاستخلاف، التي نيطت بنا.

2-      موقفنا من "النصوص"

.. وأما العقبة الثانية التي قد تحول بيننا، وبين التعرف إلى إلى سنن الله في الخلق، فهي موقفنا من تفسير النصوص الشرعية غير السليم (من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة) فنحن غالباً ما نقف عند حدود تفسير هذه النصوص دون محاولة تجاوز هذا الموقف إلى معرفة السنن التي تعين على تفسير النصوص.. ومما لا جدال فيه أن مثل هذا الموقف ليس في صالح النص، وليس في صالح العقل أيضاً، لأنه- من جهة- يجمد النص عند فهم واحد لا يتعداه على مر العصور، واختلاف الأحوال.. وهو- من جهة أخرى- يحد من ملكات العقل، لأنه يجعل فهم النص محصوراً بعصر وجيل من السلطة القاهرة وهذا يثبط العقل، ويحجب عنه رؤية الآفاق الفسيحة المتعددة، التي يعبر النص عنها، ومن هذا المنطلق نجد القرآن الكريم يلح كثيراً في دعوتنا للسير في الأرض، والتفكير في ملكوت الله "قل انظروا ماذا في السموت والأرض" [يونس:101ٍ]، وتأتي هذه الدعوة من القرآن تعبيراً عن احترامه للعقل، وتأكيداً على ضرورة شحذ الفكر، لاستكشاف أسرار الوجود، ومعرفة طبيعة الاحداث، التي تجري فيه على حقيقتها التي هي عليها فعلاً، لا كما نتصورها أو نتوهمها، أو نفهمها من خلال ما يتبادر لنا من النص.

وجدير بنا أن نتذكر هنا موقف الكنيسة في أوروبا إبان العصور الوسطى تجاه علماء الطبيعة، فقد رفضت الكنيسة آنذاك كل ما جاء به العلماء من نظريات، واكتشافات جديدة، واتهمتهم بالتجديف، وقامت بإحراق بعضهم وهم أحياء، وهددت آخرين بالقتل، إن لم يتراجعوا عما أسمته الكنيسة هرطقة وتجديفاً ضد الكتاب المقدس، وهكذا عكست الكنيسة القضية، وقلبتها رأساً على عقب، إذ جعلت فهمها للنصوص التي وردت في الكتاب المقدس، هو الضابط الذي على نهجه يجب أن يسير العلم، وكان الأحرى بها أن يجعل العلم هادياً لها في فهم نصوص الكتاب! وقد يعترض على هذا المثال الذي سقناه من تاريخ الكنيسة في أوروبا بأن النصوص التي اعتمدتها الكنيسة لم تكن نصوصاً صحيحة، بل كانت نصوصاً محرفة أو مدسوسة، وهذا ما يجعل القضية مختلفة عن قضيتنا- نحن المسلمين- لأن النصوص التي بين أيدينا صحيحة قطيعة الثبوت، لم يصبها تحريف، ولم يتسلل إليها دس..

فنقول: هذا صحيح، فالقضية عندنا مختلفة عما كانت عند الكنيسة، إذ تتركز المشكلة عندنا في (تفسير) النصوص نفسها، أو بمعنى آخر في (موقفنا من هذه النصوص) وأضرب على ذلك مثلاً المسألة السابقة نفسها، وأعني بها.. كروية الأرض ودوران الشمس.. فقد اقتصر بعض مفسرينا على فهم النصوص في الحكم على هذه المسألة دون محاولة ربط النصوص بواقع الحال، ودون الالتفات إلى ما يقول به علم الطبيعة والفلك، فانتهوا من ذلك إلى أن الأرض منبسطة لا كروية، وانها ثابتة، والشمس تدور من  حولها.. وقد تذرع هؤلاء المفسرون بنصوص عديدة من مثل قوله تعالى: " والأرض مددنها وألقينا فيها روسى وانبتنا فيها منكل شيء موزون". [الحجر:19]، وقوله تعالى: "والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم" [يس:38].. ومن العجيب أن بعض من يدعون العلم ما يزالون إلى يومنا هذا مصرين على ظنهم الخاطئ بأن الأرض ليست كروية، والشمس تجري من حولها!! ولقد يقال: إن هذه المسألة قد حسمت نهائياً لعلمائنا المعاصرين خاصة الذين لم يعودوا يرون أي تعارض ما بين النصوص الصحيحة الصريحة وبين ثوابت العلم الحديث.. فنقول: هذا صحيح بالنسبة للمسألة التي ذكرناها ولكثير من المسائل المشابهة، إلا ان هناك الكثير من المسائل التي لم تحسم بعد، والتي لم يزل بعض علمائنا يقفون منها موقفاً معارضاً بحجة أن النصوص  تعارض هذه المسائل.

ويلاحظ أن معظم الذين يتصدون من بيننا لنقد النظريات العلمية ليسوا  من أهل الاختصاص، مع أن من الأمور المسلم بها أن كل قضية لا يصح أن يتصدى لها إلا من يملك علماً راسخاً في هذا الحقل، أضف إلى ذلك أنه لا يصح بحال من الأحوال تجاهل الشواهد المادية التي قدمها العلماء بحجة أن الفهم الحرفي الحر للنصوص عندنا يعارض هذه الشواهد، وبخاصة أن هذه النصوص لا تقطع برد النظرية .

إن قضية الإعجاز العلمي في القرآن في السنة النبوية، والتي حازت قبولاً  حسناً في الأيام الأخيرة عند المسلمين، وعند غيرهم، من ذوي العقول الراجحة، خير شاهد على ما نقول، لأنها أصبحت تقدم النصوص للناس وفق فهم جديد يعتمد ربط النصوص بأحدث ما توصل إليه العلم من مكتشفات.

وهذا ما يجعلنا اليوم ننظر إلى النصوص نظرة متجددة في ضوء ما استجد في عصرنا الحاضر من متغيرات، وما تم فيه من اكتشافات، لعلنا بمثل هذه النظرة نستطيع الغوص إلى جوهر النص، واكتشاف المزيد والمزيد من السنن المتعلقة به.

3-      تسييس العلم

.. ومن العوامل الهامة، التي وقفت على مدار التاريخ حجر عثرة في طريق التقدم العلمي، وكشف سنن الله في الخلق- فيما نظن- أن الإنجازات العلمية ظلت ترتبط بالأهداف السياسية (والعسكرية منها على وجه الخصوص) أكثر من ارتباطها بأية أهداف أخرى، مما جعل مسيرة العلم تنحرف عن مسارها الصحيح، لتركز على أنواع معينة من الكشوف الاختراعات، وتغفل من ثم الجوانب الأهم والأكثر فائدة للبشرية.. فقد وجدنا مثلاً أن أعظم الكشوف العلمية، تنمو وتترعرع في ظل السياسات  العسكرية. فالحرب العالمية الثانية- على سبيل المثال- كانت من أهم الأسباب التي دفعت البشرية لدخول "عصر الذرة" وكان الدافع الأساسي لتفجير الذرة خوف الحلفاء من امتداد السيطرة النازية على العالم، مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الراحل"ورزفلت" تجند  كبار علمائها، إلى جانب عدد من العلماء الألمان، الذين فروا إليها من بطن الطاغيى هتلر"، ليعلموا على مدار الساعة في المشروع السري، الذي عرف آنذار باسم "مشروع مانهاتن" وقد استطاع هؤلاء العلماء في فترة وجيزة جداً من الزمن، أن يحولوا معادلات الطاقة والمادة التي وضعها "آينشتاين"  إلى حقيقة واقعة، واستطاعوا إجراء أول تجربة ذرية في التاريخ 1945م، في صحراء نيفادا، ولم يلبثوا أن حولوا هذا الكشف العلمي الكبير إلى قنبلة رهيبة، ألقيت فوق مدينة "هيروشيما" اليابانية في الثامن من شهر آب (أغسطس) من العام نفسه، وبعدها بأيام قليلة ألقيت القنبلة الثانية فوق مدينة "ناغازاكي" وبقية المسأساة معروفة للجميع دون ريب!.

وكما كانت الحرب العالمية الثانية وراء التعرف على الطاقة الذرية، كذلك التهديد بنشوب حرب عالمية ثالثة وراء التقدم العلمي في ميدان الفضاء.. فقد أصيب أرباب الحرب والسياسة بحمى التفوق العسكري، فراحوا يتسابقون  في ميدان الفضاء، رغبة منهم في امتلاك السلاح  الأسرع والأبعد مدى، إلى أن توجوا ذلك بالمشروع الأمريكي الشهير الذي عرف باسم "حرب النجوم"،  والذي استهدف فيما استهدف زرع الفضاء الخارجي حول الأرض برؤوس نووية، قادرة على ضرب أية بقعة من الأرض في دقائق  معدودات!.

وقد كان من نتيجة حمى التسابق الفضائي، أن تطورت الصواريخ والأقمار الصناعية، والمركبات الفضائية، تطوراً مذهلاً، فاق كل التصورات والتوقعات، حتى أصبح الإنسان اليوم قادراً على الوصول إلى أية  بقعة يريدها، ليس على سطح الأرض أو القمر، بل على سطح أي كوكب من كواكب منظومتنا الشمسية.

إن التقدم العلمي المذهل في مثل هذه الميادين، ليكشف لنا عن حقيقة  مفجعة حقاً، وهي أن الإنسان يملك من الطاقات العقلية والمادية، ما يستطيع به أن يحقق ما يبدو مستحيلاً، غير أنه (ولغاية في أنفس بعضهم!) لا يستخدم هذه  الطاقات فيما يخدم حياته، بل يستخدمها بالاتجاه المضاد!.

ومما لا ريب فيه أن علاج مشكلة صحية نفسية كالإكتئاب النفسي مثلاً  الذي يدفع آلاف المرضى النفسيين للانتحار سنوياً، ليس أصعب، ولا أعقد من إنزال إنسان فوق القمر، أو إرسال مركبة فضائية إلى أطراف منظومتنا الشمسية.

وهذا يعني أن الإنسان- لو أراد – لحقق الكثير من التقدم في ميادين العلم، التي لم تعط حتى الآن حقها من العناية والاهتمام، ومنها على سبيل المثال ميدانا علم النفس، وعلم الاجتماع، وغيرهما من الميادين، التي تتعلق مباشرة بحياة الإنسان.. لكن التقدم العلمي للأسف الشديد- سار في اتجاه آخر، أدى إلى دخول البشرية جمعاء منعطفاً خطيراً، بات يهددها بالفناء!.

ونعتقد أن تصحيح هذا المسار لن يتم إلا باتخاذ العلماء أنفسهم موقفاً حاسماً، يحددون على أساسه أولويات الكشوف، التي تحتاجها البشرية فعلاً، أما المواقف السلبية، التي غالباً ما يقفها العلماء، حتى بالنسبة للاكتشافات التي تتحقق على أيديهم، وتستنزف طاقاتهم وعقولهم، فإنها  ليست في صالح التقدم العلمي، ولا في صالح البشرية، لأنها تتيح الفرصة  أمام التجار والساسة  (او الساسة التجار) لاستغلال الكشوف العلمية في أحط الأغراض، وأبعدها عن الأخلاق النبيلة!

وهذا مما يعوق التقدم العلمي، ويحول دون كشف السنن المتعلقة بجوانب هامة جداً من حياة الإنسان.

 

 
المؤلف : د.أحمد كنعان
    المجموع الكلي 3