عقبات في طريق كشف السنن
وعلى الرغم من الله عز وجل قد سخر لنا السنن الكونية، وجعلها طوع أمرنا (وفق الشروط التي ألمحنا إليها آنفاً) إلا أن هناك عقبات كثيراً ما تحول بيننا وبين الوصول إلى كشف السنن أو فهمها.. وقد سبق أن بينا بعض هذه العقبات التي تتعلق بطبيعة السنن نفسها، أو بالرسائل اللازمة لكشف هذه السنن.. غير أن العقبات التي نريد مناقشتها هنا، تختلف عن تلك بأنها عقبات ذاتية تنبع من نظرتنا إلى الكون، وموقفنا ممما يجري فيه من أحداث.. ويأتي في مقدمة هذه العقبات.. ما يلي:
1- النظرة الغائية
ونعني بها نظرتنا إلى ظواهر الحياة من جهة الغاية أو الحكمة، التي من أجلها تحدث هذه الظواهر، دون محاولة البحث عن الأسباب أو السنن المتعلقة بهذه الظواهر.. فنحن مثلاً نعتقد أن البراكين والزلازل تضرب القرى والمدن، وتهلك الناس عقوبة من الله عز وجل على ما ارتكبوا من آثام وجراثم، وكذلك نعتقد بالمرض وبسائر الكوارث الطبيعية.. ومع تسليمنا بأن لهذا الاعتقاد ما يبرره انطلاقاً من إيماننا بان الله حكمة في كل ما يجري في هذا الكون والتي قد ندركها وقد لا ندركها.. إلا أن اعتقادنا بالحكمة الإلهية على هذه الصورة يجب إلا يحول بيننا وبين النظر إلى المسألة من جانب آخر، وهو معرفة الأسباب التي تؤدي عادة لحدوث هذه الظواهر، لأن معرفة الأسباب تفيدنا في التحكم بالظواهر الكونية المختلفة، وتجعلنا أكثر قدرة على تسخيرها لصالحنا، ودرء أخطارها عنا بإذن الله.
أضف إلى ذلك أن النظر إلى الأحداث من جهة الحكمة في وقوعها فحسب، يضعنا في موقع السلبية المطلقة التي تكتفي بتأمل الأحداث من الخارج، بدل المشاركة فيها مشاركة ايجابية فعالة.. علماً بأن مثل هذه المواقف السلبية كثيرة في حياتنا العملية.
هكذا تحطم شالنجر
وأذكر أنني في كانون الثاني (يناير) من عام 1986م كنت في الولايات المتحدة الأميريكية، عندما دعاني صديق يتابع هناك دراسته الجامعية العليا لنشاهد على الطبيعة عملية إطلاق المكوك الفضائي "شالنجر" الذي كان من المقرر أن يحمل سبعة رواد للدوران حول الأرض، وفي موعد المحدد كنا في قاعدة الإطلاق مع جموع المشاهدين، نترقب لحظة انطلاق الصاروخ نحو القضاء.. وقد لفت انتباهي أن صديقي لم يكف طوال فترة ترقبنا لانطلاق الصاروخ عن إبداء دهشته وإعجابه بما وصلت إليه "تكنولوجيا" الغرب من تقدم وتطور مذهلين، وأعاد على مسامعي أكثر من مرة قوله: إننا – نحن المسلمين- لن نستطيع مسايرة التقدم العلمي المعاصر، ولن نستطيع مواكبة ركب الحضارة، ما لم نأخذ يمنهج هؤلاء، ونتابع خطواتهم في شتى مجالات الحياة!، لكن موقف صاحبي المليء بالإعجاب والدهشة، لم يلبث أن نبدل باتجاه معاكس تماماً عندما انفجر الصاروخ، بعد ثوان من إطلاقه.. فقد عد صاحبي انفجار الصاروخ بمثابة ضربة إلهية قاصمة موجهة لغطرسة أمريكا (على حد تعبيره) التي لا تفتأ تعتدي على الشعوب المستضيفة، كما رأى الكارثة عقوبة عاجلة على ما وصل إليه المجتمع الأمريكي من استهتار وانحلال أخلاقي، وإباحية وفوضى في كل شيء..
لقد كان واضحاً من هذا التبدل المفاجئ في موقف صاحبي أنه لم يكن يصدر في تقويمه للحادث عن نظرة موضوعية بمقدار ما كان يصدر عن نظرة غائبة قاصرة تستهدف التبرير أكثر مما تستهدف معرفة الأسباب الموضوعية، التي أدت إلى الانفجار، والتي يمكن بمعرفتها منع تكرار الكارثة مرة أخرى!
ومن المؤكد لو أن العلماء والمسؤولين في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا نظروا للحدث كما نظر إليه صاحبي لاوقفوا تماماً برامجهم الفضائية، بانتظار ان تتراجع الولايات المتحدة عن غطرستها، وانتظار أن يصلح حال المجتمع الأمريكي، (ترى كم من السنوات أو القرون سيستغرق ذلك؟).
لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، بل سرعان ما عكف العلماء والسمؤولون في وكالة الفضاء على دراسة وتحديد الظروف والأسباب التي أدت إلى وقوع الكارثة.. وما هي إلا شهور قليلة حتى قامت الوكالة من كبوتها، ودبت الحياة من جديد في قاعدة "كيب كينيدي"وانطلق المكوك التالي إلى الفضاء وفق البرنامج المقرر!. إن النظر إلى الأحداث على هذه الشاكلة لا يعني إغفال جانب الحكمة فيها، بل يعني فهماً جديداً للحكمة، يقوم على معرفة الأسباب الكامنة وراء الاحداث، أو معرفة السنن التي تحكم الأحداث.. لأننا بهذه المعرفة نصبح أقدر على توجيه الأحداث، بما يتوافق وأمانة الاستخلاف، التي نيطت بنا.
2- موقفنا من "النصوص"
.. وأما العقبة الثانية التي قد تحول بيننا، وبين التعرف إلى إلى سنن الله في الخلق، فهي موقفنا من تفسير النصوص الشرعية غير السليم (من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة) فنحن غالباً ما نقف عند حدود تفسير هذه النصوص دون محاولة تجاوز هذا الموقف إلى معرفة السنن التي تعين على تفسير النصوص.. ومما لا جدال فيه أن مثل هذا الموقف ليس في صالح النص، وليس في صالح العقل أيضاً، لأنه- من جهة- يجمد النص عند فهم واحد لا يتعداه على مر العصور، واختلاف الأحوال.. وهو- من جهة أخرى- يحد من ملكات العقل، لأنه يجعل فهم النص محصوراً بعصر وجيل من السلطة القاهرة وهذا يثبط العقل، ويحجب عنه رؤية الآفاق الفسيحة المتعددة، التي يعبر النص عنها، ومن هذا المنطلق نجد القرآن الكريم يلح كثيراً في دعوتنا للسير في الأرض، والتفكير في ملكوت الله "قل انظروا ماذا في السموت والأرض" [يونس:101ٍ]، وتأتي هذه الدعوة من القرآن تعبيراً عن احترامه للعقل، وتأكيداً على ضرورة شحذ الفكر، لاستكشاف أسرار الوجود، ومعرفة طبيعة الاحداث، التي تجري فيه على حقيقتها التي هي عليها فعلاً، لا كما نتصورها أو نتوهمها، أو نفهمها من خلال ما يتبادر لنا من النص.
وجدير بنا أن نتذكر هنا موقف الكنيسة في أوروبا إبان العصور الوسطى تجاه علماء الطبيعة، فقد رفضت الكنيسة آنذاك كل ما جاء به العلماء من نظريات، واكتشافات جديدة، واتهمتهم بالتجديف، وقامت بإحراق بعضهم وهم أحياء، وهددت آخرين بالقتل، إن لم يتراجعوا عما أسمته الكنيسة هرطقة وتجديفاً ضد الكتاب المقدس، وهكذا عكست الكنيسة القضية، وقلبتها رأساً على عقب، إذ جعلت فهمها للنصوص التي وردت في الكتاب المقدس، هو الضابط الذي على نهجه يجب أن يسير العلم، وكان الأحرى بها أن يجعل العلم هادياً لها في فهم نصوص الكتاب! وقد يعترض على هذا المثال الذي سقناه من تاريخ الكنيسة في أوروبا بأن النصوص التي اعتمدتها الكنيسة لم تكن نصوصاً صحيحة، بل كانت نصوصاً محرفة أو مدسوسة، وهذا ما يجعل القضية مختلفة عن قضيتنا- نحن المسلمين- لأن النصوص التي بين أيدينا صحيحة قطيعة الثبوت، لم يصبها تحريف، ولم يتسلل إليها دس..
فنقول: هذا صحيح، فالقضية عندنا مختلفة عما كانت عند الكنيسة، إذ تتركز المشكلة عندنا في (تفسير) النصوص نفسها، أو بمعنى آخر في (موقفنا من هذه النصوص) وأضرب على ذلك مثلاً المسألة السابقة نفسها، وأعني بها.. كروية الأرض ودوران الشمس.. فقد اقتصر بعض مفسرينا على فهم النصوص في الحكم على هذه المسألة دون محاولة ربط النصوص بواقع الحال، ودون الالتفات إلى ما يقول به علم الطبيعة والفلك، فانتهوا من ذلك إلى أن الأرض منبسطة لا كروية، وانها ثابتة، والشمس تدور من حولها.. وقد تذرع هؤلاء المفسرون بنصوص عديدة من مثل قوله تعالى: " والأرض مددنها وألقينا فيها روسى وانبتنا فيها منكل شيء موزون". [الحجر:19]، وقوله تعالى: "والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم" [يس:38].. ومن العجيب أن بعض من يدعون العلم ما يزالون إلى يومنا هذا مصرين على ظنهم الخاطئ بأن الأرض ليست كروية، والشمس تجري من حولها!! ولقد يقال: إن هذه المسألة قد حسمت نهائياً لعلمائنا المعاصرين خاصة الذين لم يعودوا يرون أي تعارض ما بين النصوص الصحيحة الصريحة وبين ثوابت العلم الحديث.. فنقول: هذا صحيح بالنسبة للمسألة التي ذكرناها ولكثير من المسائل المشابهة، إلا ان هناك الكثير من المسائل التي لم تحسم بعد، والتي لم يزل بعض علمائنا يقفون منها موقفاً معارضاً بحجة أن النصوص تعارض هذه المسائل.
ويلاحظ أن معظم الذين يتصدون من بيننا لنقد النظريات العلمية ليسوا من أهل الاختصاص، مع أن من الأمور المسلم بها أن كل قضية لا يصح أن يتصدى لها إلا من يملك علماً راسخاً في هذا الحقل، أضف إلى ذلك أنه لا يصح بحال من الأحوال تجاهل الشواهد المادية التي قدمها العلماء بحجة أن الفهم الحرفي الحر للنصوص عندنا يعارض هذه الشواهد، وبخاصة أن هذه النصوص لا تقطع برد النظرية .
إن قضية الإعجاز العلمي في القرآن في السنة النبوية، والتي حازت قبولاً حسناً في الأيام الأخيرة عند المسلمين، وعند غيرهم، من ذوي العقول الراجحة، خير شاهد على ما نقول، لأنها أصبحت تقدم النصوص للناس وفق فهم جديد يعتمد ربط النصوص بأحدث ما توصل إليه العلم من مكتشفات.
وهذا ما يجعلنا اليوم ننظر إلى النصوص نظرة متجددة في ضوء ما استجد في عصرنا الحاضر من متغيرات، وما تم فيه من اكتشافات، لعلنا بمثل هذه النظرة نستطيع الغوص إلى جوهر النص، واكتشاف المزيد والمزيد من السنن المتعلقة به.
3- تسييس العلم
.. ومن العوامل الهامة، التي وقفت على مدار التاريخ حجر عثرة في طريق التقدم العلمي، وكشف سنن الله في الخلق- فيما نظن- أن الإنجازات العلمية ظلت ترتبط بالأهداف السياسية (والعسكرية منها على وجه الخصوص) أكثر من ارتباطها بأية أهداف أخرى، مما جعل مسيرة العلم تنحرف عن مسارها الصحيح، لتركز على أنواع معينة من الكشوف الاختراعات، وتغفل من ثم الجوانب الأهم والأكثر فائدة للبشرية.. فقد وجدنا مثلاً أن أعظم الكشوف العلمية، تنمو وتترعرع في ظل السياسات العسكرية. فالحرب العالمية الثانية- على سبيل المثال- كانت من أهم الأسباب التي دفعت البشرية لدخول "عصر الذرة" وكان الدافع الأساسي لتفجير الذرة خوف الحلفاء من امتداد السيطرة النازية على العالم، مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الراحل"ورزفلت" تجند كبار علمائها، إلى جانب عدد من العلماء الألمان، الذين فروا إليها من بطن الطاغيى هتلر"، ليعلموا على مدار الساعة في المشروع السري، الذي عرف آنذار باسم "مشروع مانهاتن" وقد استطاع هؤلاء العلماء في فترة وجيزة جداً من الزمن، أن يحولوا معادلات الطاقة والمادة التي وضعها "آينشتاين" إلى حقيقة واقعة، واستطاعوا إجراء أول تجربة ذرية في التاريخ 1945م، في صحراء نيفادا، ولم يلبثوا أن حولوا هذا الكشف العلمي الكبير إلى قنبلة رهيبة، ألقيت فوق مدينة "هيروشيما" اليابانية في الثامن من شهر آب (أغسطس) من العام نفسه، وبعدها بأيام قليلة ألقيت القنبلة الثانية فوق مدينة "ناغازاكي" وبقية المسأساة معروفة للجميع دون ريب!.
وكما كانت الحرب العالمية الثانية وراء التعرف على الطاقة الذرية، كذلك التهديد بنشوب حرب عالمية ثالثة وراء التقدم العلمي في ميدان الفضاء.. فقد أصيب أرباب الحرب والسياسة بحمى التفوق العسكري، فراحوا يتسابقون في ميدان الفضاء، رغبة منهم في امتلاك السلاح الأسرع والأبعد مدى، إلى أن توجوا ذلك بالمشروع الأمريكي الشهير الذي عرف باسم "حرب النجوم"، والذي استهدف فيما استهدف زرع الفضاء الخارجي حول الأرض برؤوس نووية، قادرة على ضرب أية بقعة من الأرض في دقائق معدودات!.
وقد كان من نتيجة حمى التسابق الفضائي، أن تطورت الصواريخ والأقمار الصناعية، والمركبات الفضائية، تطوراً مذهلاً، فاق كل التصورات والتوقعات، حتى أصبح الإنسان اليوم قادراً على الوصول إلى أية بقعة يريدها، ليس على سطح الأرض أو القمر، بل على سطح أي كوكب من كواكب منظومتنا الشمسية.
إن التقدم العلمي المذهل في مثل هذه الميادين، ليكشف لنا عن حقيقة مفجعة حقاً، وهي أن الإنسان يملك من الطاقات العقلية والمادية، ما يستطيع به أن يحقق ما يبدو مستحيلاً، غير أنه (ولغاية في أنفس بعضهم!) لا يستخدم هذه الطاقات فيما يخدم حياته، بل يستخدمها بالاتجاه المضاد!.
ومما لا ريب فيه أن علاج مشكلة صحية نفسية كالإكتئاب النفسي مثلاً الذي يدفع آلاف المرضى النفسيين للانتحار سنوياً، ليس أصعب، ولا أعقد من إنزال إنسان فوق القمر، أو إرسال مركبة فضائية إلى أطراف منظومتنا الشمسية.
وهذا يعني أن الإنسان- لو أراد – لحقق الكثير من التقدم في ميادين العلم، التي لم تعط حتى الآن حقها من العناية والاهتمام، ومنها على سبيل المثال ميدانا علم النفس، وعلم الاجتماع، وغيرهما من الميادين، التي تتعلق مباشرة بحياة الإنسان.. لكن التقدم العلمي للأسف الشديد- سار في اتجاه آخر، أدى إلى دخول البشرية جمعاء منعطفاً خطيراً، بات يهددها بالفناء!.
ونعتقد أن تصحيح هذا المسار لن يتم إلا باتخاذ العلماء أنفسهم موقفاً حاسماً، يحددون على أساسه أولويات الكشوف، التي تحتاجها البشرية فعلاً، أما المواقف السلبية، التي غالباً ما يقفها العلماء، حتى بالنسبة للاكتشافات التي تتحقق على أيديهم، وتستنزف طاقاتهم وعقولهم، فإنها ليست في صالح التقدم العلمي، ولا في صالح البشرية، لأنها تتيح الفرصة أمام التجار والساسة (او الساسة التجار) لاستغلال الكشوف العلمية في أحط الأغراض، وأبعدها عن الأخلاق النبيلة!
وهذا مما يعوق التقدم العلمي، ويحول دون كشف السنن المتعلقة بجوانب هامة جداً من حياة الإنسان.